عبد الرحمن السهيلي
147
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
استشهاد ابن هشام على معنى الكوثر : وذكر ابن هشام في الاستشهاد على معنى الكوثر قول لبيد بن ربيعة : وصاحب ملحوبٍ فجعنا بيومه * وعند الرّداع بيت آخر كوثر وبالفورة الحرّاب ذو الفضل عامرٌ * فنعم ضياء الطارق المتنوّر يعني عامر بن مالك ملاعب الأسنة ، وهو عم لبيد ، وسنذكر : لم سمي ملاعب الأسنة إذا جاء ذكره إن شاء الله تعالى . وصاحب ملحوب : عوف بن الأحوص ، وقد ذكره ابن هشام . والذي عند الرداع : شريح بن الأحوص في قوله ، وقال غيره : هو حبان بن عتبة بن مالك بن جعفر بن كلاب . والرادع : من أرض اليمامة . وملحوب : مفعول من لحبت العود ، إذا قشرته ، فكأن هذا الموضع سمي ملحوباً ، لأنه لا أكم فيه ولا شجر . حديث المستهزئين : ذكر حديث المستهزئين وذكر حديث المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله فيهم من قوله تعالى : « ولقد اسْتُهْزِئَ برُسُلٍ مِنْ قَبْلِك » الأنبياء الآية . فقال فيها : استهزئ برسل ثم قال : فحاق بالذين سخروا منهم ، ولم يقل : استهزءوا ، ثم قال : ما كانوا به يستهزئون ولم يقل : يسخرون . ولا بد في حكمة في هذا من جهة البلاغة وتنزيل الكلام منازله ، فقوله : استهزئ برسل ، أي : أسمعوا من الكلام الذي يسمى استهزاءً ما ساءهم تأنيساً له ، ليتأسى بمن قبله من الرسل ، وإنما سمي استهزاء إذا كان مسموعاً ، وهو من فعل الجاهلين : قال الله تعالى : « أتَتَّخِذُنَا هُزُواً قال أعوذ باللّه أن أكونَ من الجاهلين » البقرة . وأما السخر والسخرى ، فقد يكون في النفس غير مسموع ، ولذلك تقول : سخرت منه ، كما تقول : عجبت منه إلا أن العجب لا يختص بالمعنى المذموم ، كما يختص السخر ، وفي التنزيل خبراً عن نوح : « إنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كما تَسْخَرُون » هود ولم يقل : نستهزئ بكم كما تستهزئون ؛ لأن الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء ، إنما هو من فعل الجاهلين كما قدمنا من قول موسى عليه السلام ، فالنبي يسخر : اي ، يعجب من كفر من يسخر به ، ومن سخر عقولهم ، فإن قلت : فقد قال الله تعالى : « اللّه يستهزئ بهم » ، قلنا : العرب تسمي الجزاء على الفعل باسم الفعل كما قال تعالى : « نَسُوا اللّه فَنَسِيَهُمْ » وهو مجاز حسن وأما الاستهزاء الذي كنا بصدده ، فهو المسمى استهزاءً حقيقة ، ولا يرضى به إلا جهول . ثم قال سبحانه : « فَحَاقَ بالذين سَخِرُوا منهم ما كانوا به يَسْتَهْزِئون » أي حاق بهم من الوعيد المبلغ لهم على ألسنة لرسل ما كانوا يستهزؤون به بألسنتهم ، فنزلت كل كلمة منزلها ، ولم يحسن في حكم البلاغة وضع واحدة مكان الأخرى . وذكر أيضاً قوله سبحانه : « ولو جَعَلْنَاه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً » أي : لو جعلنا الرسول إليهم من الملائكة لم يكن إلا على صورة رجل ، ولدخل عليهم من اللبس فيه ما دخل في أمر محمد وقوله : « لَبَسْنا » يدل على أن الأمر كله منه سبحانه ، فهو يعمي من شاء عن الحق ، ويفتح بصيرة من شاء ، وقوله : « ما يَلْبسون » ، معناه : يلبسون على غيرهم ، لأن أكثرهم قد عرفوا أنه الحق ، ولكن جحدوا بها ، واستيقنتها أنفسهم ، فجعلوا ، يلبسون أي يلبس ، بعضهم على بعض ويلبسون على أهليهم وأتباعهم ، أي : يخلطون عليهم بالباطل ، تقول العرب : لبست عليهم الأمر ألبسه ، أي : سترته وخلطته ، ومن لبس الثياب : لبست ألبس ، لأنه في معنى كسيت ، وفي مقابلة عريت ، فجاء على وزنه ، والآخر في معنى : خلطت أو سترت ، فجاء على وزنه . شرح ما في حديث الإسراء اتفقت الرواة على تسميته إسراءً ، ولم يسمه أحد منهم : سرىً ، وإن كان أهل اللغة قد قالوا : سرى وأسرى